ماذا تفعل السعودية بالعائدات النفطية المتزايدة؟

مع تضاعف أسعار النفط تتخطى السعودية مشكلة العجز في الموازنة وتحقق فوائض مالية كبيرة. لكن السؤال، هل تستمر كالسابق في تمويل مشاريع البريستيج أم تتحول إلى الصناعة التحويلية التي تساعد على إحلال الواردات وحل مشكلة البطالة؟

عانت السعودية خلال الفترة من 2014 ولغاية 2021 من مشاكل مالية كبيرة أدت إلى عجز متزايد في ميزانيتها خلال السنوات القليلة الماضية. وهو اما اضطرها إلى الاقتراض من الخارج وإصدار السندات الحكومية بشكل غير مسبوق في تاريخها. كما أن العجز أجبرها على تأخير إنجاز العديد من مشاريع البنية التحتية. وبفعل هذه المشاكل تراجع أداء القطاع الخاص ونموه، كونه يعتمد بشكل واسع على الاستثمارات الحكومية. وجاءت المشاكل المذكورة نتيجة انهيار أسعار النفط إلى مستويات وصلت إلى 30 دولارا للبرميل في الوقت الذي تشكل فيه الصادارت النفطية 80 بالمائة من مجمل الصادرات السعودية و أكثر من 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

انقلاب الوضع رأسا على عقب

غير أن الوضع انقلب خلال الأشهر القليلة الماضية رأسا على عقب. فقد عادت المملكة مؤخرا إلى تحقيق فوائض متزايدة على ضوء تضاعف أسعار النفط ووصول سعر البرميل منه إلى أكثر من 120 دولارا، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا والحد من تبعات جائحة كورونا. وقد أعلنت وزارة المالية السعودية أن البلاد حققت خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى مارس/ آذار 2022 فائضا في الميزانية بقيمة 15 مليار دولار. ويزيد إنتاج السعودية من النفط على 10 ملايين برميل يوميا، في حين تصل قيمة المبيعات إلى مليار دولار يوميا.

وعلى ضوء العقوبات الغربية المتزايدة على صادرات النفط الروسية، يتوقع زيادة الطلب على النفط السعودي في الغرب ومعها زيادة العائدات النفطية. وحسب وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان فإن إنتاج بلاده من النفط سيزيد على 13 مليون برميل يوميا بحلول عام 2026. ومما يعنيه ذلك تحقيق أكثر من 60 مليار دولار فوائض سنوية في حال حافظت الأسعار على مستوى مائة دولار وما فوق للبرميل.

أية وجهة للعائدات النفطية؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تصرف السعودية عوائد نفطها وفوائضه لمراكمة الاحتياطات وزيادة النفقات الحكومية الجارية ودعم السلع الاستهلاكية بالدرجة الأولى كما حصل في الماضي؟ المؤشرات الأولية تشير إلى تغيرات في المسار الماضي، ومن الأدلة على ذلك رفع أسعار أسطوانة الغاز المنزلي قبل أيام في الوقت الذي تزداد فيه فوائض الميزانية. وهناك عقود لبناء عدد من مشاريع الصناعة التحويلة مثل مصنع للسيارات تديره شركة لوسيد الأمريكية بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 ألف سيارة سنويا وبتمويل اساسي من صندوق الاستثمارات السعودي الحكومي.

وحسب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم، فإن بلاده “ستعمل على استغلال العائدات النفطية الاستثنائية هذا العام لتسريع تنويع الاقتصاد حتى لا يكون معتمدا على الوقود الأحفوري”. وقال الوزير على هامش منتدى دافوس 2022 إن حكومته “ستركز على المبادرات التي تهدف لتنمية الاقتصاد غير النفطي في عام 2023، لكنها لن تعزز الانفاق المالي”. ومما يعنيه ذلك تشجيع الصناعات التحويلية التي تساعد على إحلال الواردات وتعزيز نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الاستهلاكية اليومية كالأغذية والأدوية التي ارتفعت أسعارها بشكل غير مسبوق خلال جائحة كورونا ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

التساؤل الثاني هنا هو، إذا كانت الحكومة السعودية تنوي التركيز على تنمية الصناعات التنموية التحويلية التي تعالج المواد الأولية المحلية وتخلق قيمة مضافة عالية وفرص عمل كثيرة في إطار الاقتصاد غير النفطي، فماذا سيكون مصير المشاريع العملاقة وعلى رأسها مشاريع مدينة “نيوم” التي يسميها البعض أسطورية وتكلف لوحدها 500 مليار دولار؟ الجدير ذكره أن مثل هذه المشاريع تشغل عمالة قليلة مقارنة بمشاريع الصناعات التحويلية التي تحتاج إلى أموال أقل بمرات كثيرة وتشغل عشرات آلاف العمال مثل شركة سابك للصناعات الأساسية. ومن هذه الصناعات أيضا على سبيل المثال لا الحصر الأجهزة المنزلية والطبية والكهربائية ووسائط النقل وغيرها؟

وإضافة إلى تكاليف المشاريع العملاقة التي تم البدء بتنفيذها تحتاج السعودية لمبالغ لا بأس بها لخدمة ديونها الخارجية التى وصلت إلى أكثر من 280 مليار دولار خلال العام الماضي، في الوقت الذي تراجعت فيه الاحتياطات السعودية من 700 إلى 429 مليار دولار خلال العام الماضي حسب مؤسسة الاستثمار والتجارة الخارجية الألمانية. ويعود تراكم الديون وتراجع الاحتياطات إلى تراجع أسعار النفط خلال السنوات الماضية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التسلح وحرب اليمن التي تقودها السعودية. وتُقدر فاتورة التسلح السعودية بنحو 60 مليار دولار سنويا.

المملكة على مفترق طرق

تبدو السياسة الاقتصادية السعودية على ضوء ما تقدم أمام مفترق طرق فيما يتعلق بإعادة توجيه الاستثمارات المستقبلية. ومما يعنيه ذلك فإن عليها الاختيار بين تشجيع المشاريع التنموية التحويلية القادرة على تصنيع المواد الأولية والوسيطة والحد من مشكلة البطالة من جهة، وبين مشاريع البرستيج العملاقة كأبراج البناء التي لا مثيل لها أو المشاريع السياحية ذات الحساسية السياسة العالية وغير المستدامة من جهة أخرى. وإذا ما أخذنا تبعات الحرب الأوكرانية على أسعار الأغذية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية الأخرى وغيرها، فإن الدفع بعملية التنمية من خلال الصناعات التنموية التحويلية يبدو هو الخيار الأقل تكلفة والأفضل مردودية. ولا يغير من أهمية ذلك ارتفاع أسعار النفط وازدياد أهميتها الآن، لأن الذهب الأسود ليس ثروة المستقبل على ضوء التوجه العالمي المتزايد نحو الطاقة المتجددة بدلا من الاحفورية التي يتوقع نهاية حقبتها بحلول العقد الخامس من القرن الحالي. وهنا ينغي أيضا التذكير بأن السعودية تعهدت بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060 في إطار الجهود الدولية للحد من التغيرات المناخية.

وقد حققت السعودية خلال السنوات الماضية نجاحات هامة في تنمية القطاعات المنتجة غير النفطية في إطار سياسة تنويع مصادر الدخل. ويدل على ذلك مساهمتها المتزايدة في الصادرات ومعدلات نموها التي زادت على 3 بالمائة سنويا رغم جائحة كورونا. ويبدو أن هذه النجاحات من الأسباب التي تجعل السعودية أقل تأثرا بتبعات الحرب في أوكرانيا في مجال الأغذية والكثير من السلع الاستهلاكية. ومما لا شك فيه أن النجاح الذي تحقق كان من الممكن أن يكون على نطاق أوسع لو ان القطاع الخاص أقبل على الاستثمار بالشكل الذي يتناسب مع إمكاناته. والجدير ذكره أن مساهمة هذا القطاع ما تزال ضعيفة حتى في الأنشطة غير النفطية، بسبب استمرار اعتماده الواسع على الاستثمارات الحكومية وضعف بيئة الأعمال المناسبة التي تحفزه على الاستثمار كما ينبغي داخل السعودية. ويبدو أن غياب هذه البيئة هو السبب الذي ما يزال يدفع الشركات الأجنبية إلى تفضيل دبي أو المنامة أو مناطق أخرى شرق أوسطية. ومن هنا فإن طريق السعودية إلى إطلاق قدرات القطاع الخاص بالشكل المطلوب يحتاج إلى مزيد من التغييرات الجريئة والسريعة في مناخ الاستثمار الذي يحتاج إلى مزيد من الجاذبية لرؤوس الأموال الخاصة.